بقلم م. عمر خالد
تَجْرِي الرِّيَاحُ كَمَا تَجْرِي سَفِينَتُنَا *** نَحْنُ الرِّيَاحُ وَنَحْنُ البَحْرُ وَالسُّفُنُ
إِنَّ الَّذِي يَرْتَجِي شَيْئَاً بِهِمَّتِهِ *** يَلْقَاهُ لَوْ حَارَبَتْهُ الإِنْسُ وَالجِنُّ
فَاقْصِدْ إِلَى قِمَمِ الأَشْيَاءِ تُدْرِكُهَا *** تَجْرِي الرِّيَاحُ كَمَا رَادَتْ لَهَا السفُنُ
في المقالة السابقة وصفنا إنسان الانتظار بأنواعه الثلاثة، وقلنا إن النقيض الحقيقي له هو إنسان الواجب، لكن الانتقال بين النوعين مش بس قرار، لأن المشكلة الأعمق إن كتير مننا يعتقد إنه فعلاً تجاوز الانتظار، وهو في الحقيقة لسه منتظر.
وده بيحصل لأننا بنخلط بين نوعين من الفعل شبه بعض في الشكل ولكن مختلفين تماماً في الأثر: التعويض النفسي والفاعلية التاريخية.
التعويض النفسي: الفعل الذي لا يبني
التعويض النفسي عند المفكر مالك بن نبي هو استحضار عظمة الماضي لتسكين ألم الحاضر مش لبناء المستقبل، شعور مؤقت بالانتماء لحضارة ذات إرث من غير ما يُلزم هذا الشعور صاحبه بأي شيء.
التعويض النفسي يظهر في أشكال كتير:
● استحضار أسماء تاريخية عظيمة مع تجاهل ما بنوه قبل عظمتهم
● الحديث عن "أمتنا العظيمة" مع تجنب سؤال "وأنا شخصياً بعمل إيه؟" أو "احنا دلوقتي بنعمل ايه؟!"
● الإحساس بالانتصار حين يُهزم العدو في نقاش، حتى لو الواقع لم يتغير وفضلنا مهزومين
● الاكتفاء بالتحليل الصحيح كبديل عن الموقف العملي
التعويض النفسي مريح لأنه يمنحك إحساس الانتصار بدون أن تدفع ثمنه، وهو بهذا المعنى صورة مختلفة من إنسان الانتظار، أكثر تعليماً ووعياً، لكن يظل في جوهره منتظراً.
ليس الفتى من قال كان أبى *** ولكن الفتى من قال ها أنا ذا
الفاعلية التاريخية: ما هي؟
الفاعلية التاريخية مش البطولة الاستثنائية، ومش العبقرية الفردية، ومش اللحظة الكبرى، هي شيء أبسط وأصعب في نفس الوقت: "أن يُدرك الإنسان إنه عامل في التاريخ لا مشاهد له" كما وصفه المفكر جاسم سلطان.
التاريخ لا يصنعه الأبطال وحدهم، يصنعه طبقات متراكمة من الأفعال اللي بيقوم بيها أناس عاديون على مدى أجيال: المعلم اللي بيغيّر طريقة تفكير طلابه، الباحث اللي بيبني على عمل من سبقه، المؤسسة الصغيرة اللي بتحل مشكلة حقيقية، الكتاب اللي بيُنضج فكرة ظلت ضبابية، هؤلاء جميعاً فاعلون تاريخيون، وإن لم يعرف أحد أسماءهم.
الفاعلية التاريخية إذن ليست سؤالاً عن الحجم، بل عن الاتجاه: هل أنت تُضيف أم تستهلك؟ هل تبني أم تنتظر؟
الخطأ فى المعيار
حين نستحضر من بنوا في التاريخ، بنميل لتذكر لحظة ذروتهم، القرار الكبير، المعركة الفاصلة، الكتاب الذي انتشر، ونتجاهل السنوات الطويلة الهادئة التي سبقت تلك اللحظة، سنوات البناء والتراكم والإخفاق والمراجعة والبداية من جديد.
نريد الذروة بدون متاعب الطريق إليها، ونريد اللحظة بلا التراكم المجهد الذي يصنعها.
واللي بنذكرهم، على اختلاف مساراتهم وتباين تقييماتنا ليهم، كان بينهم قاسم مشترك واحد: ما انتظروش حد عشان يبدأوا، عملوا إلي قدروا عليه في حدود المتاح، في زمانهم ومكانهم.
ثلاثة تحولات في طريقة التفكير
الانتقال من التعويض النفسي للفاعلية التاريخية بيحتاج ثلاثة تحولات متتالية:
● من "مين المذنب؟" إلى "ماذا أبني؟" — سؤال المذنب مشروع، لكنه لو استهلك كل الطاقة بيُعيد إنتاج الانتظار، السؤال الأفضل: في حدود ما أملكه، ما الذي يمكن أن أبنيه الآن؟
● من "نحن" المبهمة إلى "أنا" المحددة — الخطاب الجمعي ممكن يكون درعاً للهروب من المسؤولية الفردية، الفاعلية بتبدأ لما الإنسان يقول "أنا" بدل "نحن"، ثم يسأل: ماذا أفعل أنا تحديداً؟
● من الزمن الاستعراضي إلى الزمن التراكمي— الزمن الاستعراضي هو زمن اللحظات الكبرى و المشهدية(و أوقات كطتير بيكون زمن اللقة و الصورة حتى لو مبنعملش حاجة حقيقية)، أما الزمن التراكمي فهو زمن العمل الهادئ اليومي اللي محدش بيشوفه، لكنه وحده اللي يصنع الفارق على المدى البعيد
ثلاث صور من التراث
الكلام عن الفاعلية التاريخية ممكن يفضل تجريداً لو ما اتربطش بصور ملموسة، والتراث الإسلامي فيه ثلاث صور بسيطة، ومتداولة تحت شعار "الفسيلة والتمرة والثوب"، بتلخص جوهر الفاعلية على مستوى الفرد قبل أي حديث عن منهج أو مؤسسة.
● التمرة(اتقي النار و لو بشق تمرة): المساهمة بأقل قدر متاح من العطاء، مع الالتزام به، الفعل الصغير له قيمته الكاملة في ذاته، ومش محتاج إذناً من فعل أكبر عشان يُحتسب، وده نقيض مباشر لمنطق التعويض النفسي اللي بيستصغر كل فعل ما لم يكن استثنائياً.
● الفسيلة: فلسفة الأمل في مواجهة اليأس اللي بيسود مجتمعات الانحدار، استلهاماً من حديث "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"، إنسان الفاعلية بيغرس حتى وهو عارف إنه ممكن ما يشوفش الحصاد. ومثله في التراث الإنساني حيث يقول اليونانيون"المجتمع العظيم هو الذي يزرع فيه الشيوخ أشجارا يعرفون أنهم لن يجلسوا في ظلها"
● الثوب: لما اختلفت قبائل قريش على شرف حمل الحجر الأسود، كان الحل إنهم يحطوا الحجر على ثوب ويمسك كل ممثل قبيلة بطرف منه، فيُرفع الحجر بأيديهم جميعاً، الحمل الكبير بيهون لما كل فرد يمسك بطرفه، وكل واحد عنده دور حقيقي حتى لو صغير وده مبيحصلش غير إذا فكرنا نبدل الصدام و الخلاف بالمساحات المشتركة و اختلاف الرأي البناء. فكما تقول الحكمة الأفريقية في فلسفة الأوبونتو "أنا موجود لأن نحن موجودون".
الصور الثلاث دي لسه في مستوى الفرد، بتجاوب على سؤال "ازاي يتصرف إنسان الفاعلية في لحظته الخاصة؟"، لكن صورة الثوب بالذات بتفتح سؤالاً أكبر: لما كل فرد يمسك بطرفه، إزاي تتحول الأطراف المتفرقة لحمل واحد متماسك؟
الفاعلية تحتاج أداة
لكن الفاعلية التاريخية وحدها مش كافية، لأن الفاعلية بدون منهج تتحول لطاقة مبعثرة، ناس كتير عندهم إرادة حقيقية للتغيير لكن مش عارفين يحوّلوها لبناء مستدام.
الفرق بين الفاعلية اللي بتبني والفاعلية التي تتبدد في الهواء هو مفهوم واحد وصفه المفكر جاسم سلطان بدقة وده موضوع المقالة القادمة والأخيرة من السلسلة.



