NPO #80618910

مقالات

معضلة الاقتصاد: لماذا يتفق الاقتصاديون على ألّا يتفقوا؟

معضلة الاقتصاد: لماذا يتفق الاقتصاديون على ألّا يتفقوا؟

بقلم د. سمير عبد العزيز الوسيمي*

تُنسب إلى الكاتب الساخر جورج برنارد شو مقولة لاذعة تقول: "لو وُضع كل الاقتصاديين جنباً إلى جنب، لما توصلوا إلى نتيجة أبداً".

وهي مقولة تبدو في ظاهرها نكتة عن الاقتصاديين، لكنها في حقيقتها تفتح باباً واسعاً لفهم واحدة من أكثر المعضلات إرباكاً للقارئ العادي: لماذا يبدو الاقتصاد أحياناً كأنه علم دقيق بالأرقام، لكنه يتكلم بأكثر من صوت عند تفسير الواقع؟

المواطن البسيط يسمع محللاً اقتصادياً يقول: "رفع الفائدة ضرورة لكبح التضخم"، ثم يسمع آخر يقول: "رفع الفائدة يخنق الاستثمار ويزيد البطالة". يسمع خبيراً يدعو إلى تقليص الإنفاق العام، وآخر يطالب بتوسيعه. يسمع من يرى أن السوق قادر على تصحيح نفسه، ومن يرى أن ترك السوق وحده قد يحول الأزمة إلى كارثة. عندها يسأل القارئ سؤالاً مشروعاً: هل الاقتصاد علم؟ أم أنه مجرد آراء أنيقة ترتدي بدلة الأرقام؟

الإجابة الأكثر إنصافاً هي أن الاقتصاد علم، لكنه ليس علماً ميكانيكياً. هو علم يتعامل مع الإنسان قبل أن يتعامل مع الأرقام؛ ومع التوقعات قبل النتائج؛ ومع السلوك قبل الجداول؛ ومع الخوف والطمع والندرة والمصلحة والثقة قبل أن يصل إلى المعادلات. وهنا تبدأ المعضلة.

فالاقتصاد ليس مختبراً مغلقاً يمكن أن نضع فيه دولة داخل أنبوب اختبار، ثم نغير متغيراً واحداً ونراقب النتيجة. لا يمكن أن نقول: سنرفع الفائدة في دولة ما، مع تثبيت السياسة، والنفط، والحروب، والمزاج العام، والائتمان، وسلوك المستهلك، وسلاسل الإمداد، ثم نرى ماذا سيحدث. العالم لا يتوقف كي يمنح الاقتصادي تجربة نظيفة. كل شيء يتحرك معاً: السياسة، الأسواق، الإعلام، البنوك، المستثمرون، المستهلكون، الحكومات، والأحداث التي لا يستأذن وقوعها أحداً.

لهذا يختلف الاقتصاديون. لا لأنهم جميعاً تائهون، ولا لأن كل رأي يساوي الآخر، بل لأن كل اقتصادي ينظر إلى الاقتصاد من نافذة معينة، وبنموذج معين، وبافتراضات معينة، وبأفق زمني معين. وقد يرى اثنان المشهد نفسه، لكن أحدهما يركز على التضخم، والآخر على البطالة. أحدهما ينظر إلى أثر القرار خلال ثلاثة أشهر، والآخر إلى أثره خلال خمس سنوات. أحدهما يخاف من عجز الموازنة، والآخر يخاف من ركود الاقتصاد. وفي النهاية، قد يكون الخلاف ليس حول “الحقيقة”، بل حول: أي خطر نريد أن نتحمله أولاً؟

هنا يجب أن نفرق بين ثلاثة أشياء يخلط بينها كثير من الناس: التشخيص، والتوقع، والوصفة.

التشخيص هو محاولة فهم ما يحدث الآن: لماذا ترتفع الأسعار؟ لماذا يتراجع النمو؟ لماذا تهرب الاستثمارات؟
والتوقع هو محاولة قراءة ما قد يحدث لاحقاً: هل يستمر التضخم؟ هل تنخفض العملة؟ هل يزيد الطلب؟
أما الوصفة فهي قرار سياسي واقتصادي: ماذا نفعل؟ نرفع الفائدة؟ نخفض الضرائب؟ ندعم السلع؟ نحرر السوق؟ نزيد الإنفاق؟ نؤجل الإصلاح؟

قد يتفق الاقتصاديون على التشخيص، ويختلفون في التوقع. وقد يتفقون في التوقع، ويختلفون في الوصفة. وقد يتفقون في الأرقام، ثم يختلفون في الأولويات. ولذلك فإن السؤال "لماذا يختلفون؟" ينبغي أن يتحول إلى سؤال أدق: "في أي مرحلة يختلفون: في قراءة الواقع، أم في تقدير المستقبل، أم في اختيار العلاج؟"

خذ مثال التضخم. إذا ارتفعت الأسعار، فهناك من يقول إن السبب زيادة الطلب، وهناك من يراه نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج، وهناك من يربطه بسعر الصرف، وهناك من يحمّل الاحتكار جزءاً من المسؤولية، وهناك من يرى أن المشكلة نفسية أيضاً لأن توقعات الناس بارتفاع الأسعار تدفعهم للشراء المبكر، فيرتفع الطلب، فتزداد الأسعار فعلاً. من منهم على حق؟ ربما كلهم، لكن بنسب مختلفة. الاقتصاد لا يقدم دائماً مذنباً واحداً؛ أحياناً يقدم عصابة كاملة من الأسباب.

وهنا تظهر خطورة التبسيط. الجمهور يحب الإجابات الحاسمة: "الحل هو كذا". أما الاقتصاد الحقيقي فيقول غالباً: "الحل يعتمد على السياق". فخفض الضرائب قد يكون مفيداً في اقتصاد يعاني الركود، لكنه قد يكون خطراً في اقتصاد يعاني تضخماً وعجزاً مالياً. زيادة الإنفاق العام قد تنقذ اقتصاداً في أزمة، لكنها قد تزيد الاختلالات إذا كان الإنفاق غير منتج. دعم السلع قد يحمي الفقراء مؤقتاً، لكنه قد يشوه السوق ويثقل الموازنة إذا طال بلا إصلاح. الخصخصة قد ترفع الكفاءة إذا صاحبتها حوكمة ومنافسة، وقد تتحول إلى نقل احتكار من يد عامة إلى يد خاصة إذا غابت الرقابة.

إذن ليست المشكلة في الأداة، بل في السياق. السكين في يد الجراح علاج، وفي يد غيره خطر. والسياسة الاقتصادية كذلك.

سبب آخر لاختلاف الاقتصاديين هو أن الاقتصاد لا يتعامل فقط مع الكفاءة، بل مع العدالة أيضاً. قد يكون قرار ما جيداً للنمو، لكنه قاسياً على فئة اجتماعية. وقد يكون قرار آخر رحيماً على المدى القصير، لكنه مكلف على الأجيال القادمة. وهنا يدخل سؤال القيم: من يتحمل التكلفة؟ من يحصل على المنفعة؟ هل نفضل نمواً أعلى مع تفاوت أكبر؟ أم نمواً أبطأ مع حماية اجتماعية أوسع؟ هل نعالج التضخم بسرعة ولو ارتفعت البطالة؟ أم نحمي الوظائف ولو طال أمد التضخم؟

هذه ليست أسئلة حسابية فقط؛ إنها أسئلة مجتمعية وسياسية وأخلاقية. لذلك لا ينبغي أن نطلب من الاقتصادي أن يخفي القيم وراء الأرقام. الأرقام مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال: أي مجتمع نريد؟

ولكي نفهم الخلاف الاقتصادي بصورة أعمق، علينا أن نفهم معنى “النموذج الاقتصادي”. النموذج ليس الواقع، بل خريطة مبسطة للواقع. والخريطة الجيدة لا ترسم كل حجر في الطريق، لكنها تساعدك على الوصول. فإذا استخدمت خريطة الطقس لقيادة السيارة، ستضل. وإذا استخدمت خريطة الطرق لتوقع الأمطار، ستفشل. كذلك النماذج الاقتصادية: قوتها في أنها تبسط الواقع، وضعفها في أنها قد تبسطه أكثر مما ينبغي.

بعض النماذج تنجح في ظروف الاستقرار، وتفشل في الأزمات. وبعضها يشرح الماضي ببراعة، لكنه يتلعثم أمام المستقبل. وبعضها يصلح للاقتصادات المتقدمة، ولا يصلح بالضرورة للاقتصادات النامية. وبعضها يفترض أن الناس يتصرفون بعقلانية كاملة، بينما الواقع يقول إن الخوف، والشائعات، والاندفاع الجماعي، والثقة، والذاكرة المؤلمة للأزمات، كلها عوامل تصنع القرار الاقتصادي.

ولهذا فإن الاقتصادي الجيد ليس من يملك نموذجاً واحداً يفسر به كل شيء، بل من يعرف أي نموذج يستخدم، ومتى يستخدمه، ومتى يتوقف عن استخدامه. الخطر الحقيقي ليس في اختلاف الاقتصاديين، بل في الاقتصادي الذي لا يختلف أبداً مع نموذجه، حتى عندما يصرخ الواقع في وجهه.

ومع ذلك، ليس صحيحاً أن الاقتصاديين لا يتفقون على شيء. هناك مساحات واسعة من الاتفاق: الموارد نادرة، والحوافز تؤثر في السلوك، والتضخم المستمر يضعف القوة الشرائية، والاحتكار يضر بالمنافسة، والديون بلا قدرة على السداد تتحول إلى عبء، والاستثمار يحتاج إلى ثقة، والسياسات العامة لها تكلفة، ولا توجد وجبة اقتصادية مجانية بالكامل. لكنهم يختلفون عندما ننتقل من المبادئ العامة إلى التطبيق العملي: كم؟ متى؟ لمن؟ بأي ترتيب؟ وبأي تكلفة؟

ولذلك فإن القارئ النابه لا ينبغي أن يبحث عن الاقتصادي الذي "لا يخطئ"، فهذا كائن نادر وربما غير موجود. بل عليه أن يبحث عن الاقتصادي الذي يعلن افتراضاته، ويفصل بين الرأي والبيانات، ويعترف بحدود النموذج، ويتعامل مع الاقتصاد كواقع حي لا كمعادلة ميتة. الاقتصاد ليس لعبة يقين، بل إدارة احتمالات. وليس وعداً بالنجاة، بل محاولة لتقليل الخسائر وتحسين الاختيارات.

في النهاية، ربما لم يكن جورج برنارد شو يسخر من الاقتصاديين فقط، بل من ميل البشر إلى طلب إجابة واحدة لمسألة لا تعيش إلا في التعدد. الاقتصاد يشبه قيادة سفينة في بحر متغير: لا يكفي أن تعرف اتجاه الريح، بل يجب أن تفهم الموج، وحمولة السفينة، ومهارة الطاقم، ومزاج الركاب، وحالة الميناء، واحتمال العاصفة.

لذلك، عندما يختلف الاقتصاديون، لا تتعجل اتهامهم بالفشل. اسأل أولاً: ما الافتراضات؟ ما الأفق الزمني؟ من الرابح؟ من الخاسر؟ ما المخاطر؟ وما البديل؟

فالمشكلة ليست أن الاقتصاديين لا يصلون إلى نتيجة أبداً؛ المشكلة أن الاقتصاد الحقيقي لا يمنح نتيجة واحدة بلا ثمن. وكل سياسة اقتصادية هي في النهاية اختيار بين أثمان متعددة. والمهارة ليست في إنكار الثمن، بل في اختيار الثمن الأقل ظلماً، والأكثر قابلية للاستدامة، والأقرب إلى مصلحة الناس والدولة والمستقبل.

==================================================

  • * أكاديمي واستشاري نظم الحوكمة والاستثمار والتطوير المؤسسي