NPO #80618910

مقالات

وهم الفاعلية: لماذا لا نشعر أننا ننتظر؟

وهم الفاعلية: لماذا لا نشعر أننا ننتظر؟

بقلم م. عمر خالد

ترجو النجاةَ ولم تسلكْ مسالكَها *** إن السفينةَ لا تجري على اليبسِ

في المقالة الأولى وصفنا المتاهة أنها نقاشات بتبدأ بسؤال كبير وبتنتهي بختام مريح، والجميع يعود للانتظار وهو مطمئن، وقلنا إن السؤال اللي المتاهة بتهرب منه هو "وأنت شخصياً إيه اللي بتعمله؟"، وإن الإجابة عليه كشفت نمط تفكير سماه المفكر مالك بن نبي "إنسان الانتظار."

لكن السؤال الأعمق: ليه إنسان الانتظار نفسه مش حاسس إنه منتظر؟ هو غالباً بيفتكر إنه فاعل، إنه شارك، إنه قال رأيه، إنه عمل حاجة، فإيه اللي بيخلي إنسان يعيش الوهم ده؟

الفكرة الحية والفكرة الميتة

المفكر مالك بن نبي بيفرّق بين نوعين من الأفكار داخل عقل الإنسان والمجتمع

الفكرة الميتة هي الفكرة الصحيحة في ذاتها، لكنها فقدت قدرتها على الدفع للفعل، بتتقال وتتردد وتتناقش بحماس أحياناً، لكنها مالهاش أثر حقيقي على سلوك صاحبها، بتعيش في الكلام بس.

الفكرة الحية هي الفكرة اللي لسه قادرة تتحول لفعل وسلوك وبناء، بتدفع صاحبها يتحرك مش بس يتكلم.

والمهم هنا إن نفس الفكرة ممكن تبدأ حية وتتحول مع الوقت لميتة، لما تتكرر كشعار من غير ما تترجم لحركة حقيقية، زي مثلا "الأمة قادرة" فكرة حية لو دفعت حد يبني، لكنها بتموت لما تتحول لجملة بتتقال في كل نقاش من غير ما تغيّر سلوك حد.

ليه الفكرة بتموت في نقاشاتنا؟

هنا بنوصل لجوهر السؤال، الفكرة بتموت لما التعبير عنها بيحقق نفس الإشباع اللي كان المفروض الفعل الحقيقي يعمله.

الإنسان لما بيقول رأيه في نقاش، أو يشارك منشوراً، أو يحلل أزمة بذكاء، بيحس بنفس الرضا اللي المفروض يحسه لو فعلاً عمل حاجة، وده بيقلل الدافع للفعل الحقيقي، لأن العقل حصل على المكافأة اللي كان محتاجها، من غير ما يدفع ثمنها.

وده تحديداً ليه إنسان الانتظار مش حاسس إنه منتظر، هو حاسس إنه فاعل، لأن دماغه استقبل إشارة الإنجاز، بس الإنجاز ده وهمي، اتحقق في اللحظة اللي اتكلم فيها، بدون أي تغيير أو تأثير حقيقي في الواقع.

 

نوع ثالث لم نذكره

في المقالة الأولى ذكرنا نوعين من إنسان الانتظار، من ينتظر المعجزة، ومن ينتظر المنقذ، لكن في نوع تالت أخطر منهما لأنه يتنكر في شكل العقل والنضج.

قبل ما نتكلم عنه، مهم نفرق بين حاجتين، التحليل التاريخي الجاد والبحث الأكاديمي في أسباب الأزمات شيء له قيمته، وما نتكلم عنه هنا شيء تاني تماماً، هو النمط الذي يظهر في النقاشات اليومية العادية.

النمط ده عنده تاريخ طويل في الخطاب العربي العام، بعد ٦٧ كان الحديث عن انهيار الأنظمة وشيك، وفي ٢٠٠٣ كان انهيار العراق بداية دومينو سيطال الجميع، وفي ٢٠١١ كان الربيع العربي دليلاً على إن كل الأنظمة ستسقط خلال سنوات، وبعد ٢٠١٣ انقلب الخطاب ليقول إن المنطقة ستنهار من الداخل بفعل الفوضى، وفي كل مرحلة كانت النقاشات تمتلئ بيقين من يعرف كيف ستنتهي الأمور، ثم تجيء المرحلة التالية بنفس اليقين ونفس التوقعات.

ده هو النوع التالت من إنسان الانتظار، من ينتظر الانهيار، بيتكلم بلغة امثلة الماضي ويصل منها إن دي السنن والحتمية التاريخية، وبيشخّص الأزمة بدقة مذهلة، لكنه بيوصل دايماً لنفس الخلاصة: الانهيار قادم لا محالة، وده بيريحه من سؤال صعب، لو الانهيار قادم من تلقاء نفسه، فما الداعي للبناء الآن؟

وهو أخطر من النوعين الآخرين لأن صاحبه مقتنع إنه واعٍ ومحلل، فبيستبعد تماماً إنه هو نفسه إنسان انتظار.

القاسم المشترك بين الأنواع الثلاثة

الأنواع الثلاثة تبدو مختلفة في المظهر، لكنها تلتقي في نقطة واحدة، الفكرة عندهم ميتة، بتتقال وتتكرر، لكنها مش بتدفعهم يبنوا حاجة، وكلهم بيحصلوا على نفس المكافأة النفسية من مجرد التعبير، من غير ما يدفعوا تكلفة الفعل الحقيقي.

هل ده قدر؟

المفكر مالك بن نبي ما وقفش عند التشخيص، وصف أيضاً النقيض: إنسان الواجب، الإنسان الذي يُدرك إن الحقوق تُكتسب بالعمل، وإن التغيير يبدأ من الفرد ومبادرته، وإن الانتصار الحقيقي يسبقه بناء طويل ومضنٍ لا يراه أحد.

فكر في أي إنسان حواليك بنى حاجة حقيقية، مش بالضرورة كبيرة، مدرس صبر على طالب صعب لحد ما فهم، حد فتح مشروع صغير وكافح فيه سنين قبل ما ينجح، شخص تعلم مهارة جديدة من الصفر بمجهوده، الفرق بينه وبين إنسان الانتظار مش إنه أذكى أو عنده فرص أكتر، الفرق إن الفكرة عنده فضلت حية، اتحولت لفعل قبل ما تموت في الكلام.

وأنت عزيزي القارئ أخر مرة قلت فيها رأي في نقاش، هل تحول لفعل ولا اكتفيت بالشعور إنك "قلت الحق"؟ وإيه الفكرة اللى بتؤمن بيها بس فضلت حبيسة الكلام من غير ما تتحول لخطوة حقيقية؟ ولو سألت نفسك دلوقتي بصراحة، هتقول إيه، أنت فاعل ولا منتظر؟

الإجابة مش سهلة، لأنها تكشف الفرق بين من يبني ومن يكتفي بالشعور بالفعل، وفهم الفرق ده فعلاً وإزاي تكون إنسان فاعل يمتلك أفكار حية وكيف تقيم الأفكار التي تمتلكها وكيف يمكن أن تمتلك ثقافة مكافأة للعصر  وما هي فلسفة "التمرة والفسيلة  الثوب" و ده موضوع المقالات الجاية بإذن الله.

لا تَحسَبِ المجدَ تمرًا أنتَ آكلُهُ *** لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصَّبِرا