NPO #80618910

مقالات

الدوران في المتاهة: لماذا تعيد نقاشاتنا إنتاج نفسها؟

الدوران في المتاهة: لماذا تعيد نقاشاتنا إنتاج نفسها؟

عزيزي القارئ إذا كنت تبحث عن إجابات مريحة أو كلمات تجعلك تشعر بالسعادة اللحظية والإنجاز المجاني فأنت في المكان الغلط و ممكن تروح تكمل فرجه على ريلز على السوشيال ميديا

في كل مرة بتحصل أزمة في المنطقة، بتلاقي نفس المشهد يتكرر، جروب واتساب، بث مباشر، ندوة، أو حتى نقاش على القهوة، الناس متحمسة، الكلام كتير، والأسئلة كبيرة، ساعتين أو تلاتة من الحوار تمتلئ بالتحليل والتفريع والجدل، وفي الآخر بيجي حد ويختم الجلسة، إما بدعاء على الظلمة والاستعمار، أو بجملة "المشكلة في حكامنا وخونة"، أو بـ"ده كله مخطط ومرسوم"، أو بـ"المشكلة أعمق من كده."

فيسكت الجميع، وتنتهي الجلسة بسكينة غريبة، وبكره لما بتيجي أزمة تانية، نفس الجروب، نفس الناس، نفس الكلام.

ده مش نقاش …  ده دوران في متاهة

والخطورة مش في الختام نفسه، الختام له قيمته أياً كان شكله، لكن الخطورة إنه بيمنح المتاهة شرعية مريحة، الناس مش بس بترجع للانتظار، بترجع ليه وهي مطمئنة أن دورها إتعمل.

المتاهة الحوارية: شكلها وليس مضمونها

المتاهة الحوارية ليها نسق ثابت بيتكرر بغض النظر عن الموضوع:

●     تبدأ بـ حدث ساخن يحتمل تعدد وجهات النظر

●     فيبدأ النقاش بعشوائية من غير أرضية مشتركة

●     وتتفرع النقاشات وتتوسع وتبتعد عن السؤال الأصلي

●     فيضيع السؤال في متاهة التفاصيل

●     ويختمها شخص بجملة تُغلق الباب وتريح الجميع

●     فيرجع الجميع للانتظار، مطمئنين، وكأن دورهم إتعمل

●     وتبدأ الدورة من أول وجديد في المرة الجاية

النقاش بيتحرك أفقياً لا رأسياً، يتوسع لا يتعمق، وفي الآخر كل واحد بيمشي بنفس القناعة اللي جه بيها.

 

المتاهة في أزمات المنطقة: نفس النسق، مواضيع مختلفة

خذ أي نقاش عن الحرب على إيران أو الإبادة في غزة أو التوسع في الضفة أو اتفاق وقف إطلاق النار، وهتلاقي نفس الدائرة بتدور.

في نقاشات الحرب على إيران:

●     السؤال بيبدأ بـ "إيران قادرة تصمد؟"

●     فتيجي إجابات عن القدرة العسكرية

●     فيُسأل: "بس إيران بتخدم مين في الأصل؟"

●     فتبدأ نقاشات عن الأجندة الإيرانية وصراع المحاور

●     فيُسأل: "ومين المستفيد؟" فتدخل نظريات المؤامرة

●     وفي الآخر يختم حد بـ"ده كله مرسوم من الغرب"، ويرجع الجميع للانتظار

في نقاشات الإبادة في غزة:

●     السؤال بيبدأ بـ "إيه الحل؟"

●     فتجي إجابة: "المقاومة"

●     فيُسأل: "المقاومة بإيه وبمين؟"

●     فتبدأ نقاشات عن السلاح والتمويل والدعم

●     فيُسأل: "والدول العربية فين؟"

●     فتدخل نقاشات عن الخيانة والتطبيع والضغوط الدولية

●     وفي الآخر يختم حد بـ"ربنا ينصر إخواتنا"، والجلسة تنتهي بسكينة، وفرق شاسع بين الانتهاء والحل

في نقاشات التوسع في الضفة:

●     السؤال بيبدأ بـ "ليه العالم ساكت؟"

●     فتجي إجابة عن منظومة المصالح الدولية

●     فيُسأل: "وإحنا نعمل إيه؟"

●     فتجي إجابة عن الضغط الشعبي والمقاطعة

●     فيُسأل: "وهل المقاطعة بتجيب نتيجة؟"

●     فيجي مثال وضده مثال، وتنتهي بجملة "المشكلة أعمق من كده"، وكأن عمق المشكلة كافٍ وحده عذراً لعدم التصرف

 

في نقاشات اتفاق وقف إطلاق النار:

●     السؤال بيبدأ بـ "هل ده خيانة؟"

●     فتيجي إجابات عن السياسة الواقعية والضغوط

●     فيُسأل: "بس موقف الحركة الصهيونية دولياً ضعيف؟"

●     فتبدأ نقاشات عن القوة والضعف عند الجانبين، تهويل وتقليل حسب المزاج

●     وفي النهاية يختم حد بـ"المشكلة في حكامنا"، والحوار انتقل من موقف يحتاج قرار إلى تحليل لا ينتهي

القاسم المشترك: سؤال يستحق إجابة، وتحليل حقيقي أحياناً، لكن بلا موقف عملي في الآخر، وبختام يريح ويُعيد الجميع لنقطة الصفر.

إنسان الانتظار

المفكر مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة" وكتابه "مشكلات الحضارة" وصف ظاهرة سماها "إنسان الانتظار"، وهي في جوهرها نمط من البشر لا يبادر، بل ينتظر حاجة من برّا تغيّر الواقع قبل ما يتحرك هو.

إنسان الانتظار عنده نوعان:

●     الأول ينتظر المعجزة، يؤمن بعمق إن الأمة ستُنصر لأن الله معها، لكنه بيستبدل العمل بالدعاء السلبي، ويعتقد إن الإيمان وحده يُغني عن البناء، وهو اللي بيختم الجلسات بالدعاء والآيات فتسكت الجلسة وكأن دورها اتأدى.

●     الثاني ينتظر المنقذ، حاكماً عادلاً أو قائداً استثنائياً أو قوة خارجية تُغيّر الواقع، ويخرج من كل نقاش بجملة "المشكلة في حكامنا"، وكأن تشخيص المشكلة يُعفيه من أي دور.

كلا النوعين بيشتركوا في حاجة واحدة: عايزين الانتصار بلا تكلفة حقيقية، عايزين الشعور بإنهم على الحق وإن النصر قادم، لكن من غير ما يتسألوا "وأنت شخصياً هتعمل إيه؟"

وهنا يكمن سر المتاهة، لأن إنسان الانتظار لا يحتاج إجابة حقيقية، يحتاج تعزيزاً نفسياً، والنقاشات الدائرية مع خواتمها المريحة بتعطيه هذا التعزيز بامتياز.

 

الحماس اللحظي

المفكر جاسم سلطان في كتابه "من الصحوة إلى اليقظة" بيكمل الصورة بمفهوم محوري: الحماس اللحظي.

الحماس اللحظي هو تجمّع كبير حول فكرة أو حدث أو عاطفة، من غير بناء معرفي مشترك ومن غير خطة، ينفضّ بمجرد انتهاء المؤثر العاطفي، ولا يُخلّف وراءه مؤسسات أو تغييرات حقيقية (أو زي ما بنقول في مصر "دخان كتير … كفتة قليل")

وأزمتنا في جوهرها هي إدمان على الحماس اللحظي، كل أزمة إقليمية بتنتج موجة: ملايين المنشورات، آلاف الساعات من النقاشات، مظاهرات وبيانات وحملات مقاطعة، ثم تهدأ الأزمة أو تتحول، وينفضّ الحشد، ويعود الجميع لنفس نقطة الصفر.

الحماس اللحظي بيدي إنسان الانتظار ما يحتاجه "وهم الفعل بدون تكلفة الفعل":

●     يُشارك في النقاش فيحس إنه "عمل حاجة"

●     يُبدي رأياً فيحس إنه "قال الحق"

●     يُشارك منشوراً فيحس إنه "ساهم"

●     وتاني يوم يصحى على نفس الواقع بالضبط

لماذا تدوم المتاهة؟

المتاهة مش بتدوم لأن الناس غبية أو لأن الأسئلة مش مهمة، بتستمر لثلاثة أسباب حقيقية:

●     غياب الأرضية المشتركة — النقاش بيبدأ من غير اتفاق على المفاهيم الأساسية، ما هو الانتصار؟ ما هي القوة؟ ما هو الدور الممكن لأفراد في مواجهة أحداث كبرى؟ من غير إجابة على الأسئلة دي، كل نقاش بيبدأ من الصفر

●     الخلط بين التحليل والموقف — تحليل الأزمة مطلوب، لكنه مش كافٍ، النقاشات بتتوقف عند "فهمنا المشكلة" كأن الفهم وحده إنجاز، وهو مهم كخطوة لا كنتيجة، لأن الفهم بلا موقف عملي هو مجرد حماس فكري لحظي

●     التعويض النفسي — الاعتقاد بأننا "جامدين أوي ومعانا ربنا" وإن "حكامنا وحشين بس الشعوب قوية" ده ميكانيزم دفاعي طبيعي، بيحمي الإنسان من مواجهة سؤال أصعب بكتير: "وأنت شخصياً ماذا بنيت أو فعلت؟"

 

السؤال الذي تتجنبه المتاهة

المتاهة بتستمر لأنها بتحمي صاحبها من سؤال واحد، صعب، شخصي جداً، مش "إيه المشكلة؟" ده سؤال بيتجاوب عليه الجميع بسهولة، ومش "مين المذنب؟" ده بقى فن قائم بذاته، لكن السؤال اللي المتاهة بتبعده عنك هو: "وأنت شخصياً، إيه اللي بتعمله؟"

لأن الإجابة على السؤال ده مش فكرية، هي كشف لنمط تفكير كامل، نمط وصفه المفكر مالك بن نبي بدقة شديدة من عقود، وأسماه بإنسان الانتظار، وده موضوع المقالة الجاية من السلسلة بإذن الله و لو مستعجل إسئل الذكاء الإصطباحي.